سيد محمد طنطاوي

187

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والضمير في قوله : * ( وما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ) * يعود إلى سقر . . أي : وما سقر التي ذكرت لكم أن عليها تسعة عشر ملكا يلون أمرها ، إلا تذكرة وعظة للبشر ، لأن من يتذكر حرها وسعيرها وشدة عذابها . . من شأنه ، أن يخلص العبادة للَّه - تعالى - ، وأن يقدم في دنياه العمل الصالح الذي ينفعه في أخراه . وقيل : الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر . أي : وما هذه الآيات التي ذكرت بشأن سقر وأهوالها إلا ذكرى للبشر . ثم أبطل - سبحانه - ما أنكره الذين في قلوبهم مرض ، وما أنكره الكافرون مما جاء به القرآن الكريم ، فقال : * ( كَلَّا والْقَمَرِ . واللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ . والصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ . إِنَّها لإِحْدَى الْكُبَرِ . نَذِيراً لِلْبَشَرِ . لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) * . و * ( كَلَّا ) * حرف زجر وردع وإبطال لكلام سابق . والواو في قوله : * ( والْقَمَرِ ) * للقسم والمقسم به ثلاثة أشياء : القمر والليل والصبح ، وجواب القسم قوله : * ( إِنَّها لإِحْدَى الْكُبَرِ . . . ) * . أي : كلا ، ليس الأمر كما أنكر هؤلاء الكافرون ، من أن تكون عدة الملائكة الذين على سقر ، تسعة عشر ملكا ، أو من أن تكون سقر مصير هؤلاء الكافرين ، أو من أن في قدرتهم مقاومة هؤلاء الملائكة . كلا ، ليس الأمر كذلك ، وحق القمر الذي قَدَّرْناه مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ، وحق * ( اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ) * أي : وقت أن ولى ذاهبا بسبب إقبال النهار عليه ، وحق * ( الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ) * ، أي : إذا أضاء وابتدأ في الظهور والسطوع . والضمير في قوله - تعالى - : * ( إِنَّها لإِحْدَى الْكُبَرِ ) * يعود إلى سقر . والكبر : جمع كبرى ، والمراد بها : الأمور العظام ، والخطوب الجسام . أي : إن سقر التي تهكم بها وبخزنتها الكافرون ، لهى إحدى الأمور العظام ، والدواهي الكبار ، التي قل أن يوجد لها نظير أو مثيل في عظمها وفي شدة عذاب من يصطلى بنارها . وأقسم - سبحانه - بهذه الأمور الثلاثة ، لزيادة التأكيد ، ولإبطال ما تفوه به الجاحدون ، بأقوى أسلوب . وكان القسم بهذه الأمور الثلاثة ، لأنها تمثل ظهور النور بعد الظلام ، والهداية بعد الضلال ، ولأنها تناسب قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّه مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) * .